فخر الدين الرازي

77

تفسير الرازي

الذرة لا تخلو عن الحركة والسكون ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، وكل محدث فإن حدوثه لا بد وأن يكون مختصاً بوقت معين مع جواز حصوله قبل ذلك وبعده ، فاختصاصه بذلك الوقت المعين الذي حدث فيه ، لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص قديم فإن كان ذلك المخصص جسماً عاد السؤال فيه ، وإن لم يكن جسماً فهو الله سبحانه وتعالى ، وأيضاً أن تلك الذرة مساوية لسائر الأجسام في التحيز والحجمية . ومخالفة لها في اللون والشكل والطبع والطعم وسائر الصفات . واختصاصها بكل تلك الصفات التي باعتبارها خالفت سائر الأجسام ، لا بد وأن يكون من الجائزات ، والجائز لا بد له من مرجح ، وذلك المرجح إن كان جسماً عاد البحث الأول فيه ، وإن لم يكن جسماً فهو الله سبحانه ، فثبت أن تلك الذرة دالة على وجود الصانع من جهات غير متناهية ، واعتبارات غير متناهية ، وكذا القول في جميع أجزاء العالم الجسماني والروحاني ، مفرداته ومركباته وسفلياته وعلوياته وعند هذا يظهر لك صدق ما قال الشاعر : وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد وإذا عرفت هذا فحينئذ ظهرت الفائدة لك من قوله تعالى : * ( وما خلق الله من شيء ) * ولما نبه الله تعالى على هذه الأسرار العجيبة والدقائق اللطيفة ، أردفه بما يوجب الترغيب الشديد في الإتيان بهذا النظر والتفكر فقال : * ( وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ) * ( الأعراف : 185 ) ولفظة * ( أن ) * في قوله : * ( وأن عسى ) * هي المخففة من الثقيلة تقديره : وأنه عسى ، والضمير ضمير الشأن ، والمعنى : لعل آجالهم قربت فهلكوا على الكفر ويصيروا إلى النار ، وإذا كان هذا الاحتمال قائماً وجب على العاقل المسارعة إلى هذه الفكرة ، والمبادرة إلى هذه الرؤية ، سعياً في تخليص النفس من هذا الخوف الشديد والخطر العظيم ، ولما ذكر تعالى هذه البيانات الجلية والدلائل العقلية قال : * ( فبأي حديث بعده يؤمنون ) * ( الأعراف : 185 ) وذلك لأنهم إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن مع ما فيه من هذه التنبيهات الظاهرة والبينات الباهرة ، فكيف يرضى منهم الإيمان بغيره . واعلم أن هذه الآية دالة على مطالب كثيرة . المطلب الأول : أن التقليد غير جائز ولا بد من النظر والاستدلال ، والدليل على أن الأمر كذلك قوله : * ( أولم يتفكروا ) * . والمطلب الثاني : أن أمر النبوة متفرع على التوحيد ، والدليل عليه أنه لما قال : * ( إن هو إلا نذير مبين ) * أتبعه بذكر ما يدل على التوحيد ، ولولا أن الأمر كذلك ، لما كان إلى هذا الكلام حاجة . والمطلب الثالث : تمسك الجبائي والقاضي بقوله تعالى : * ( فبأي حديث بعده يؤمنون ) * على